ابن أبي العز الحنفي

195

شرح العقيدة الطحاوية

وليس تشبيه رؤية اللّه تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيها للّه ، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية ، لا تشبيه المرئي بالمرئي ، ولكن فيه دليل على علو اللّه على خلقه . وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة ؟ ومن قال : يرى لا في جهة - فليراجع عقله ! ! فإما أن يكون مكابرا لعقله وفي عقله شيء ، وإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته ، رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة . ولهذا ألزم المعتزلة من نفي العلو بالذات بنفي الرؤية ، وقالوا : كيف تعقل رؤية بلا مقابلة بغير جهة ، وإنما لم نره في الدنيا لعجز أبصارنا ، لا لامتناع الرؤية ، فهذه الشمس إذا حدق الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها ، لا لامتناع في ذات المرئي ، بل لعجز الرائي ، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل اللّه قوى الآدميين حتى أطاقوا رؤيته . ولهذا لما تجلى اللّه للجبل : خَرَّ مُوسى صَعِقاً ، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ : سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ الأعراف : 143 ، بأنه لا يراك حيّ الا مات ، ولا يابس الا تدهده ، ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية الملك في صورته ، الا من أيده اللّه كما أيد نبينا ، قال تعالى : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ الانعام : 8 . قال غير واحد من السلف : لا يطيقون أن يروا الملك في صورته ، فلو أنزلنا عليهم ملكا لجعلناه في صورة بشر ، وحينئذ يشتبه عليهم : هل هو بشر أو ملك ؟ ومن تمام نعمة اللّه علينا أن بعث فينا رسولا منّا . وما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام إلا لما وافقوهم على أنه لا داخل العالم ولا خارجه . لكن قول من أثبت موجودا يرى لا في جهة - أقرب إلى العقل من قول من أثبت موجودا قائما بنفسه لا يرى ولا في جهة . ويقال لمن قال بنفي الرؤية لانتفاء لازمها وهو الجهة : أتريد بالجهة أمرا وجوديّا ؟ أو أمرا عدميّا ؟ فإن أراد بها أمرا وجوديا كان التقرير : كل ما ليس في شيء موجود لا يرى ، وهذه المقدمة ممنوعة ، ولا دليل على إثباتها ، بل هي باطلة ، فإن سطح العالم يمكن أن يرى ، وليس العالم في عالم آخر . وان أردت بالجهة أمرا عدميا ، فالمقدمة الثانية ممنوعة ، فلا نسلم أنه ليس في جهة بهذا الاعتبار . وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة ، وإنما يتلقاه من